ابن كثير
308
البداية والنهاية
عظيم ، وعقد له على الجبال ، فخرج في ذي القعدة وقرئ كتابه بالفتح يوم التروية ، وأنه قهر الخرمية وقتل منهم خلقا كثيرا ، وهرب بقيتهم إلى بلاد الروم ، وعلى يدي هذا جرت فتنة الإمام أحمد وضرب بين يديه كما سيأتي بسط ذلك في ترجمة أحمد في سنة إحدى وأربعين ومائتين . وفيها توفي من الأعيان : بشر المريسي وهو بشر بن غياث بن أبي كريمة أبو عبد الرحمن المريسي المتكلم شيخ المعتزلة ، وأحد من أضل المأمون ، وقد كان هذا الرجل ينظر أولا في شئ من الفقه ، وأخذ عن أبي يوسف القاضي ، وروى الحديث عنه وعن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وغيرهم ، ثم غلب عليه علم الكلام ، وقد نهاه الشافعي عن تعلمه وتعاطيه فلم يقبل منه ، وقال الشافعي : لئن يلقى الله العبد بكل ذنب ما عدا الشرك أحب إلي من أن يلقاه بعلم الكلام . وقد اجتمع بشر بالشافعي عندما قدم بغداد . قال ابن خلكان : جدد القول بخلق القرآن وحكي عنه أقوال شنيعة ، وكان مرجئيا وإليه تنسب المريسية من المرجئة ، وكان يقول : إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر ، وإنما هو علامة للكفر ، وكان يناظر الشافعي وكان لا يحسن النحو ، وكان يلحن لحنا فاحشا . ويقال : إن أباه كان يهوديا صباغا بالكوفة ، وكان يسكن درب المريسي ببغداد . والمريس عندهم هو الخبز الرقاق يمرس بالسمن والتمر . قال : ومريس ناحية ببلاد النوبة تهب عليها في الشتاء ريح باردة . وفيها توفي عبد الله بن يوسف الشيبي ( 1 ) . وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي ( 2 ) . ويحيى بن عبد الله البابلتي ( 3 ) . وأبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب المعافري راوي السيرة عن زياد بن عبد الله البكائي عن ابن إسحاق مصنفها ، وإنما نسبت إليه فيقال سيرة ابن هشام ، لأنه هذبها وزاد فيها ونقص منها ، وحرر أماكن واستدرك أشياء . وكان إماما في اللغة والنحو ، وقد كان مقيما بمصر واجتمع به الشافعي حين وردها ، وتناشدا من أشعار العرب شيئا كثيرا .
--> ( 1 ) في تقريب التهذيب : التنيسي ، وهو أبو محمد الكلامي أصله من دمشق ، ثقة متقن من أثبت الناس في الموطأ سمع من سعيد بن عبد العزيز ومالك والليث . ( 2 ) ولد سنة أربعين ومائة وكان علامة بالمغازي ، قال أبو حاتم : ما رأيت أفصح منه ، مات ببغداد في رجب في محنة " خلق القرآن " . ( 3 ) وهو يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتي الحراني روى عن الأوزاعي وابن أبي ذئب وطائفة وليس بالقوي في الحديث .